محمد بن جرير الطبري

50

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

القول في تأويل قوله تعالى : إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد له ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا . يعني بقوله : إنما الله إله واحد : ما الله أيها القائلون : الله ثالث ثلاثة كما تقولون ، لان من كان له ولد فليس بإله ، وكذلك من كان له صاحبة فغير جائز أن يكون إلها معبودا ، ولكن الله الذي له الألوهة والعبادة ، إله واحد معبود ، لا ولد له ، ولا والد ، ولا صاحبة ، ولا شريك . ثم نزه جل ثناؤه نفسه وعظمها ورفعها عما قال فيه أعداؤه الكفرة به ، فقال : سبحانه أن يكون له ولد يقول : علا الله وجل وعز وتعظم وتنزه عن أن يكون له ولد أو صاحبة . ثم أخبر جل ثناؤه عباده أن عيسى وأمه ، ومن في السماوات ومن في الأرض ، عبيده ، وملكه ، وخلقه ، وأنه رازقهم وخالقهم ، وأنهم أهل حاجة وفاقة إليه ، احتجاجا منه بذلك على من ادعى أن المسيح ابنه ، وأنه لو كان ابنه كما قالوا لم يكن ذا حاجة إليه ، ولا كان له عبدا مملوكا ، فقال : له ما في السماوات وما في الأرض يعني : لله ما في السماوات وما في الأرض من الأشياء كلها ، ملكا وخلقا ، وهو يرزقهم ويقوتهم ويدبرهم ، فكيف يكون المسيح ابنا لله وهو في الأرض أو في السماوات غير خارج من أن يكون في بعض هذه الأماكن وقوله : وكفى بالله وكيلا يقول : وحسب ما في السماوات وما في الأرض بالله قيما ومدبرا ورازقا ، من الحاجة معه إلى غيره . القول في تأويل قوله تعالى : * ( لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا ) * . يعني جل ثناؤه بقوله : لن يستنكف المسيح : لن يأنف ولن يستكبر المسيح أن يكون عبدا لله يعني : من أن يكون عبدا لله . كما : حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون : لن يحتشم المسيح أن يكون عبد الله ولا الملائكة . وأما قوله : ولا الملائكة المقربون فإنه يعني : ولن يستنكف أيضا من الاقرار لله بالعبودية ، والاذعان له بذلك رسله المقربون الذين قربهم الله ورفع منازلهم على غيرهم من خلقه .